Friday, November 28, 2008

عن الأصول


الموضوع مضحك و مبكي .. الموضوع استحوذ على اهتمام البعض و سخرية الآخرين .. الموضوع ببساطة هو طرح السيد الوزير محمود محي الدين وزير الاستثمار المصري استجابة لنداء الرئيس و الهام داخلي بخصوص بمشاركة الشعب في أصول ممتلكاته .. قبل أن أعلق على الموضوع .. هذا تعريف بسيط بالأمر .. السيد الوزير طرح الفكرة الآتية: بيع قطاع الأعمال الحكومي المصري عن طريق توزيع صكوك ملكية للمواطنين المصريين يصبحوا بها الملاك الحقيقيون للشركات .. أما الحكومة فقسمت الشركات الي أربع فئات .. الأولي ستمتلك نسبة من الأسهم فوق 65% و هذا بالنسبة للمنتجات الاستراتيجية كالأسمنت و الحديد و الدواء .. الفئة الثانية ستمتلك الدولة منها نسبة لا تقل عن 51% و هي المنتجات الأقل استراتيجية مثل الصناعات التحويلية .. و الثالثة ستمتلك الدولة منها نسبة لا تقل عن 31% و هي القطاعات العادية الغير حساسة .. أما باقي النسبة فتذهب لنا نحن المواطنون .. قبل أن نصيح هأو و سلامات يا حكومة و نستدعي من الذاكرة فيلم هاني رمزي "عايز حقي" دعونا ندرك تفاصيل الموضوع .. الدولة منذ عام 1992 نهجت فكرة الخصخصة .. و حتي العام الماضي جنت حوالي خمسة مليارات من البيع .. السيد الوزير بدأت الفكرة تخبط رأسه منذ 2005 و هو يعمل بسرية و كتمان في دراسة الأمر مع لجنة مختصة .. الموضوع ده حصل في دول أخري فنجحت كسنغافورة و أخري ففشلت كروسيا .. الصكوك هي ما يطلق عليه أيضا محفظة مالية فيها أسهم متساوية لكل مواطن يحق له التجارة بها فيبيع منها ما أراد انشالله كلها أو يتاجر بها في البورصة .. و ملحوظة أخري .. القطاع العام تم تحويله الي لفظ قطاع الأعمال حتي يخفف من حدة الصدمة .. أما الأرقام فتتحدث هكذا : الصك قيمته تتراوح بين الربعمائة و الألفين جنيه .. عدد المواطنون المؤهل حصولهم على الصك هم فقط من تجاوز الواحد و العشرين عاما و تعدادهم 41 مليون بني آدم أما 10% من الأرباح فسيحتفظ بها في صندوق الأجيال القادمة و ذلك لمن لم يولد بعد أو لمن لم يتجاوز السن المقرر .. عدد الشركات في قطاع الأعمال حوالي 150 شركة .. عدد الشركات التي سوف تشارك في هذه الخطة حوالي 80 شركة .. الأسئلة كالآتي : هل ستكفي أصول 80 شركة لتوزع بالقسطاس على 41 مليون مواطن .. الأرقام تعود فتكشف عن أمر مريب : يقول الخبراء أن دخول 41 مليون مواطن الي سوق البورصة سيضخ سيولة بقدر عشرة مليارات جنيه و هو ضعف ما جنته الدولة منذ عام 92 حتي الآن .. أي انها خطة عبقرية لتعويض اللي فات .. نعود للأسئلة .. هل الحكومة تريد فعلا للمواطن أن يزيد انتماءه و حبه لوطنه فعكفت على طرح ما طرحت .. هأو .. دعونا نستعرض القطاعات الحكومية و مكاسبها .. أعلي شركة حكومية تحقق ربح هي شركات الألمنيوم حيث تحقق صافي 800 مليون سنويا و الثاني شركة الشرقية للدخان و تحقق 600 مليون سنويا ثم السكر و الكيماويات و تحقق 400 مليون جنيه .. المفاجأة : هذه الشركات لن تشارك في الفكرة .. اذا النية لادخال الشعب في ممتلكات الحكومة غير صادق .. سؤال آخر : بما أننا شعب يتمتع بنسبة بالغة الضخامة تحت خط الفقر أليس محتمل أن تهرع الفئات المعدمة من المصريين الي بيع صكوكها الي أول مشتري مصري كان أو اسرائيلي .. الاجابة وارد جدا .. اذا كيف نضمن أن النسب المتاحة للشعب لن تنتهي الي يد خبيثة تبيع و تشتري فينا .. يجيب الوزير بأن حدود الملكية تقف عند 5% و لكن جمال مبارك أعلن أن هناك رقابة و من سيمتلك نسبة أكثر من 10% من الاجمالي لابد أن يحصل على اذن .. ونحن نعلم جميعا كيف نعامل أي قانون خاصة لو صدر من جيمي .. سؤال آخر : هل الـ41 مليون هؤلاء يملكون أي ثقافة مالية تتيح لهم استخدام صحيح لما بين أيديهم .. أتت الاجابة في الحقيقة مقنعة .. اذ قيل أن مثال تكنولوجيا الاتصالات خير دليل على نجاح التوعية .. حيث يملك أكثر من عشرين مليون مواطن بين يديه و أصابعه تكنولجيا عالية جدا و مع ذلك يحسن استغلالها .. فلن يكون من الصعب أن نعلم أربعين مليون واحد كيف يتعاطون مع الأسواق المالية .. سؤال آخر : لما الراجل همه على الناس ألا يصح أن يعلن الأمر على الملأ ليناقشه الكل و يتداولوه .. هو مش يخصهم برضه؟ أم أن الحكومة تقرر ثم يعرض الأمر على المجلسين المحروقين على هيئة قانون من 17 مادة و طبعا الاستفتاء كلنا عارفين نتيجته .. ؟ .. سؤال : هل هذا معناه ان البلد حتتباع .. أكيد لأ .. البلد لا تتلخص في حاجة و تمانين شركة حتي لو حدث احتكار من قبل جهة واحدة .. ولكن الموضوع هو محض تلاعب بالعقول .. أشرح لك كيف : هذا القطاع العام هو أساسا ملك الناس .. و الدولة تديره بالنيابة عننا .. و عندما تحقق ربح فهو يعود على الموطنين على هيئة خدمات و ازدهار .. الموضوع الجديد يريد أن يمشي الأمور كما هي ولكن بورقة .. طب ايييه الفرق .. الفرق الجوهري هو ان امتلاك الشعب يسمح للقطاع أن يشتري .. اما في السابق فمن غير المعقول أن يشتري أحد قطاع الأعمال .. يعني في السابق الحكومة وحدها هي التي تقرر ان كان البيع مسموح و لا لأ .. أما الآن فنحن سنبيع بدافع الاحتياج و تيجي الحكومة تقول لنا ما انتو اللي بعتوا .. وهو أمر بالغ المكر .. سؤال أخير : هل من الأصول يا حكومة أن نفكر في بيع قطاع الأعمال بحجة زيادة انتماء المواطنين بينما أبسط الحقوق المدنية مصابة بالبيروقراطية و المواطن نفسه هذا يتمني مياه نظيفة و رغيف خبز سليم و متوفر و يريد صرف صحي آمن و هواء غير ملوث و خدمات طبية مستقرة و حقوق في الخارج ترعاه .. و اذا كان الرد : يا عم ده مجرد وزير استثمار و اللي انت بتقوله مالوش دخل بيه .. أسأل مجددا : هل الأصول يا وزير الاستثمار أن تهتم بهذا الأمر و واحد زي الوليد بن طلال يلتهم أراضي في توشكي معطلا الاستثمار فيها بدون أي سبب وجيه ولا هشام طلعت مصطفي الذي نهب أراضي مدينتي بما يعادل 400 مليون جنيه من الاستثمار و لم يدفع مليما ولا صفقة الغاز الاسرائيلي التي تخسر مصر يوميا 9 مليون جنيه من الاستثمار .. بقي دي أصول برضه؟

قالوا



مصر هبة الصين


*


يوسف القعيد

Tuesday, November 18, 2008

عن حسينهم


باراك حسين أوباما .. الرئيس المنتخب للولايات المتحدة الأمريكية .. ليلة الرؤيا بالنسبة للأمريكان كان ليلة 4 نوفمبر .. المفترض لكي ينجح المرشح أن يجتاز 270 صوت .. و نظام الانتخاب لديهم معقد جدا .. و يشارك فيه المواطنون بحق و حقيقي .. و بلا تزييف أو تزوير أو وضع علامات صح في الاستمارات الفاضية .. و بلا معاقبة المنافس لمرشح الحكومة بالسجن و لا حرق مقر حزبه .. أوباما و قبل الميعاد المحدد لنهاية التصويت فاز .. و عند تهاية التصويت تعدي المصوتون له الثلامائة مستريح .. و باء ماكين العجوز الماكر بمائة صوت و يزيد .. لفوز أوباما دلالات تاريخية عظيمة بحق .. فلم يكن في حسبان أي سياسي أو أسود أن يري عرش الرئاسة الأمريكية يؤول الي أسود .. حري بنا أن نذكر أن أول رئيس أسود كان في فيلم أمريكي و كان مورجان فريمان .. أما أن يحاكي الواقع خيال هوليوود .. فهذا كان مستبعد .. أي نعم كان الاختيار الحقيقي بين أسود و امرأة .. انما الأمر يتصف بالفانتازيا قبيل بدء الانتخابات .. و بعد انسحاب هيلاري .. تبقي أوباما و ماكين .. ماكين عجوز .. مواليد 36 .. و قد شارك في حرب فييتنام و أبدي فيها بطولة واضحة .. و لكنه دماغه بالدرجة الأولي حربية .. و قد توعد لايران بالويل و الثبور .. الي جانب استخفافه بالشعب الأمريكي عندما جلب سارة بايلين لأنها امراة ليكسب عواطف محبي هيلاري و يغنم أصواتهم .. و هو ما فقسه الأمريكان بل و مسخروها و هروها تريقة على البرامج لديهم .. أما أوباما .. فظهر كرجل أمريكي أفريقي و معه زوجته و بنتيه .. و على فكرة زوجته دي مش أي كلام .. دي درست الحقوق في هارفرد و ستانفورد أعرق و أعنف جامعتين في أمريكا .. و وده الظاهر لعائلته حبب فيه الشعب الأمريكي بطبيعة الحال .. أوباما نفسه قصة نجاح .. فأنا أحترم كل من يكتب كتاب ثم ينجح و يبرز .. فهذا يعكس درجة من النظام في التفكير و تخطيط للأهداف .. أنور السادات كان ممن كتبوا كتابا ثم تولي الحكم و قد فعل باسرائيل ما فعل .. و كذا حسن راتب رجل الأعمال المصري .. كتب أيضا كتاب ثم انطلق يعمر أرجاء سيناء بمصنع أسمنت و جامعة جميلة .. أوباما بقي كتب كتابين .. أي انه ليس غوغائي و لا انفعالي .. أوباما ليس أول رئيس أسود فحسب .. أوباما الذي ولد عام 61 هو أيضا أول سيناتور أسود يخش الكونجرس عام 2004 .. أي ان الرجل قصة نجاح جديرة بالاحترام .. و أبرز ما جعله يقتنص حب الناس هو أسلوبه الذي بهر الكل .. و استمساكه و استمواته على كلمة "التغيير" الذي سعي لأن تكون شعار حملته و كانت أول جملة ألقاها عندما فاز .. الأمريكان بالفعل كانوا ساخطين على وضعهم الحالي .. فهم مكروهون من تقريبا كل شعوب الأرض .. و البركة في بوش الصغير .. هذا السخط الذي دفع هؤلاء و أغلبيتهم من البيض أن يصوتوا لأوباما .. النفلة التاريخية في أمريكا تتمحور حول السود الذين وطأت أقدامهم أمريكا كعبيد و أيد عاملة بلا حقوق و بلا رغبة من الدولة في الاعتراف بأي حقوق آدمية لهم الي جانب الكراهية الشديدة من قبل البيض لهم و عدم منحهم أي حق آدمي في ركوب المواصلات على سبيل المثال .. هؤلاء هم من جاء أحفادهم ليصوتوا مقبلين و بكل الارادة الحرة لأوباما .. شاهدت برامجهم عشية فوز أوباما .. السود سكبوا من الدموع أنهارا .. خاصة الكبار .. أقرب الناس للزمن الذي غشيهم فيه الغبن .. كانت سعادة غامرة .. و أحضان غير مصدقة .. لقد دمعت عيناي من رؤية هذه المشاعر الجياشة .. أوباما حقا غير أمريكا .. و الرجل أقر بالفعل في احد خطبه بأن قصته لم تكن لتتم الا في أمريكا .. و هذا حقيقي .. لقد كتب ابراهيم عيسي مقال حول افتراض أن لأوباما أخ و يحيي في مصر و عقد مقارنة .. أوباما أبوه كيني و أمه أمريكية .. و أبوه هذا مسلم .. لو أن أخو أوباما في مصر لظل يكافح حتي الآن لينال جنسية مصرية على اعتبار أن أمه ليست مصرية .. أما هناك فهو يتجهز ليوم 20 يناير المقبل ليجلس على أهم كرسي في أمريكا .. على فكرة أوباما ليس مرتد .. لقد استقصيت حول هذا الأمر .. لأنه لو كان مرتد لكان أمرا بغيضا جدا .. كل الحكاية ان ابو أوباما هجر و ترك البلد كلها و عاد الي كينيا أو مطرح ما راح و خلف الوليد .. فلم تري أمه من بد سوي تعميده في الكنيسة كأي طفل مسيحي .. و بذلك هو ليس مرتد .. المرتد هو من بلغ مسلما و اختار بمحض ارادته ان يغير ديانته .. أوباما قصة نجاح مؤثرة و ظرف تاريخي سنتذكر في المستقبل أننا حضرناه .. بس كما يقول المثل المصري العتيد "الحلو ما يكملش" .. هل أوباما حقا مبشر بالخير .. هل هو حقا الأمل في تغيير أمريكا و الأمريكان و العالم بأسره .. الاجابة تأتي بداية من الشخصية التي اختار أن يظهر بها .. فهو لم يظهر على انه أسود تقليدي .. نيجر أمريكي .. هو ظهر على انه استثناء من الكل .. تماما كما ظهر صلاح الدين في الفيلم الأمريكي "مملكة الجنة" .. عندما جاءت جملة في الحوار يسأله فيها أحد قادة الغرب عن سر أفعاله المسالمة و العادلة التي لم يعتدوها من المسلمين القتلة صاح بعصبية " انا لست كأي أحد .. انا صلاح الدين".. و بذلك يتضح أن صانعو الفيلم لم يتجشموا كل عناء تصوير الفيلم علشان خاطر سواد عيوننا أو عيون المسلمين .. و لكن لأنهم يكنون احتراما لصلاح الدين الذي ربما كان مسلما من وجهة نظرهم و لكنه استثنائي .. عظمته تنبع من شخصه لا معتقده .. و بنفس الطريقة بزغ أوباما .. أسود آه .. انما حاجة تانية .. دليلي هو ما قيل في الصحف على انه هو نفسه لم يظهر في الكنائس السوداء و لا القنوات الفضائية السوداء و لم يعرف انغماسه في مجتمع أسود و لا عرفت ميوله كميول أي اسود كحبه للراب و الهيب هوب و ولعه بالماريجوانا .. كل ما بادر به من ايماءة معبرة للسود هو زيارة كينيا مسقط رأس أبيه .. أضف الي ذلك كارت اسلام أبيه الذي لم يستغل سواء بالسلب أو الايجاب .. كارت تواري نهائيا عن التحليلات و النقاشات .. كأن الاسلام لا يعني شيئا عند أمريكا و الأمريكان .. أمر مريب .. هل هذا الاستنكار سمة من سمات أوباما .. هل هو وصولي موهوب .. أم مجتهد محظوظ .. المستقبل هو الذي سيجلي هذا الأمر .. لكن خطواته الأولي مش ولا بد .. فلقد عين كبير موظفي البيت الأبيض "رام ايمانيول" واذا طالعت أي جريدة و قرأت عن هذا الرجل ستخبطك أول جملة : أنه صهيوني الهوية عنيف الرأي من أب يهودي .. مممممم .. ربنا يستر .. هو أي نعم مع سحب القوات الأمريكية من العراق و ضد حرب ايران و قد رمي الأمريكان بوعود رنانة .. انما الخبراء في الانتخابات الأمريكية يقولون أن كل مرشح يتشدق بوعود و لا يعير معظمها أهمية عند توليه الحكم .. أوباما قد يكون وش الخير لأمريكا .. ولكن علينا تذكر أن أمريكا ليست دولة يحكمها فرد متمثل في رئيس الجمهورية .. انما هي دولة فيها كونجرس و مجلس شيوخ و مؤسسات أخري و مصالحهم فوق الجميع .. انهم عندما رغبوا في الاستيلاء على نفط الدولة التي تملك أكبر احتياطي نفط في العالم لم تستح من العالم كله و هرعت الي العراق و أسقطت نظامه و نكلت برئيسه و دنست أرضه الطاهرة التي نشأ فيها أبو الأنبياء ابراهيم عليه السلام و دمروا حضارته التي كانت محفوظة في المتاحف .. اذا أنا غير متفاءل .. ليس قبل أن أقرأ كل من سيعينهم أوباما و خلفياتهم لأطمأن قليلا .. أوباما قد يكون خير على أمريكا .. لكن على نفسهم .. نحن العرب .. غلابة .. لا تفرق معانا أوباما من بوش من ماكين من لينكولن نفسه .. أقسم انهم لو لهم مصلحة في شوية غاز تحت رجل أبو الهول لعبئوا الرأي العام الدولي و لهموا بتدمير الأهرامات و أبوالهول بل و كباريهات شارع الهرم كلها حتي يمتصوا ما يريدون و ليمرح المارينز في أرضنا .. هنيئا لهم بحسينهم

قالوا


آخر النهار .. قبل أن تذهب في النوم العميق -وتلك نعمة- ستكتشف أن بعض هزائمك انتصار .. لأنها أضافت اليك ما كنت تجهله .. و ان بعض انتصاراتك هزائم .. لأنك دفعت فيها ثمنا غاليا من اهتمامك و أعصابك و ربما سقطت مريضا أو بكيت على ذراعي الحزن

*

مفيد فوزي

Wednesday, October 29, 2008

عن الواطي



تحذير: هذه القصة الصغننة كتبتها في أجواء انتظاري لنتيجة سبتمبر بالكلية .. يعني قصة مش لطيفة


*


قبل أن التقط أنفاسي و أستعيد مجال بصري الذي انحشر في أديم الأسفلت .. تملكتني رغبة شديدة في النهوض و نهر الرجل و رميه بكل الشتائم التي حصلتها من طيلة مكوثي على نواصي الشوارع و كراسي المقاهي .. توجت عزيمتي بحركة من يدي أدفع بها الأرض لأقوم .. لم أتأثر بالخبطة على ما يبدو .. لا أشعر بألم و لم يتخلل رأسي أي صداع أو ما دون ذلك .. و لكني تمهلت في القيام للحذر ..
الشارع بدأ مروره يتعطل .. كلاكسات السيارات لا ترحم أذني الشاكية .. لا يري أي من السائقين المسجي على الأرض .. سأقوم .. و سأغلظ الرجل و أعنفه .. و لا أستبعد لطمه أو ضربه أو صفعه .. سأبدد كرامته .. و أنهي احترامه على يد قيضتي .. سيندم على أنه اصطدم بي .. سأضع حدا للكوسة التي سمحت له بنيل رخصة مرور .. قد اتصل بصديق له قريب يعمل وكيل نيابة .. سأذيقه بأسي بما فعل بي ..
الرجل ترجل من سيارته و ملامح الفزع تمرح في وجهه .. نعم نعم .. افزع و خاف .. قد يخفف هذا من تصرفاتي .. حاول أن تتفوه بكلمة لتدافع عن نفسك بها .. سأتذكرها و أندد بها .. الشارع بالفعل توقف .. و سيشاهد الكل صوتي الصادح عندما يعلو..
اقترب سائق الميكروباص الذي أثاره الانتظار في شارع رئيسي فهبط و سار يستطلع سبب توقف الطريق الذي يشتهي القيادة فيه بسرعة عالية و ظهر من خلفي شاب بيديه سيجارة في أولها أشعلها لعلمه بالأحداث التي ستطول .. و دنا منا بواب عمارة قريبة يتفحص السيارات و الناس الملمومة خشية أن يكون أحدهم من ساكني عمارته و ربض عند أول سيارتي طفلان يلوكون بأسنانهم ما غنموه من كشك قريب .. و بالصدفة توقفت بجانبنا شابة مظهرها مريب كانت تتابعها سيارة و آثرت الفرجة على الاستجابة لرزقها .. و من كافيه على ناصية الشارع التالي حضر رجل بملابس براقة تشي بدوره الاداري في الكافيه و لعله يتخوف على المشيشين تعكير صفو دخانهم ازاء الضوضاء التي استحدثتها .. و الكلاكسات لا ترحم أذني الشاكية ..
بدأت أستوضح مظهر الرجل الذي تسبب في القائي على الأرض ذات الزلط .. رجل أنيق .. بنطلون جبردين بيج .. و قميص أزرق مقلم أبيض بياقة مكوية بعناية .. و نظارة سميكة قليلا .. شعر لم تزايله الحناء .. بدين بغير افراط .. تبرز من جيب قميصه أقلام متعددة .. مازال مرتاعا .. ترتعش أصابعه فوق موبايله يحاول العثور على نمرة ما .. بدأت الكلاكسات تسكن .. و بدأت أذني تهدأ .. و حاولت استجماع توازني لأنهض من هذه الرقدة البغيضة .. لن تنسي خدوده الممتلئة شكل أصابعي..
دراجة انبرت من شارع جانبي قريب .. فتي يحمل ملابس داخل كيس و يمسك بشماعة تحمل فستانا أسودا مكيسا هو الآخر .. أجل الفتي مشاريع تسليم الملابس و استقر مع المتفرجين و سارع بسؤال عما حدث ..
طارق في الجيم .. سامي في المقهي .. عادل يعود من عمله الآن .. كريم منكب على شاشته المزودة بالنت فائق السرعة يبحر في صفحات النت .. محمود يشرب بيبسي عند كشكه المفضل مع سيجارة .. محمد ينتظرني عند مؤمن .. أحمد و رامي يشغلان فراغهما بالكروزة في سيارة أحمد .. أيمن منخرط في بولة استميشن .. أدهم يداعب ظهر فتاة ما في كافيه رخيص رغم أنف العاملين .. علاء يحرز أهدافا بتهديد جسمه المفتول في ملعب ما .. مصطفي يبتز صاحب عربة كبدة و يلتهم ما شاء عنوة .. أمير يعبق رئتيه بجوان حشيش .. صابر يجهد عقله في كورس أوفيس في سنتر قريب .. رضا يرطن الألمانية في سنتر قريب أيضا .. الجميع على أهبة الاستعداد للترخيم على خلق الله ..
توازني مفقود .. و يدي التي ظننت أنها كل ما أحتاج لأنهض تعبت .. وبدأ ألم من بعيد يزحف على فخذي ..
علاء ابن عمه وكيل نيابة .. رامي ابن خاله صديق حميم لأمين شرطة .. كريم أخوه وكيل نيابة مرورية .. أدهم أخوه الأكبر بلطجي عتيد .. رضا ينحد من عائلة كلها تملك سيارات ذات ألواح خضراء .. صابر معه جنسية أمريكية .. أيمن شاب لين لن يقدم أو يؤخر ..
الواطي الذي أرداني أرضا عليه أن يتحلل من أي ارتباط اليوم .. حتي نستقر على طريقة لاهانته كما ينبغي ..
أصحاب المحلات القريبة انسلوا من فاتريناتهم و خلفوا زبائن سرعان ما شاركوهم الوقفة الي جانبنا .. محل كاوتش سيارات و معرض سيراميك و محل بقالة و فرع لاحدي البنوك و فطاطري ..
يدي بدأت تسخن و الزلط بدأ يدفع الجلد .. حررت قبضتي من الأرض .. و استندت بذراعي .. فانخفضت أكثر .. و الرجل الأنيق بدأ يلهث صوته في موبايله مستغيثا .. الصداع نزل برأسي .. و النمل بدأ يذرع قدمي جيئة و ذهابا .. تحسست جيبي الأيمن بساعدي الكليل .. اتصلت بمحمود .. وجدت صعوبة بالغة في اخراج صوتي .. انقطع أول اتصال دون أن أنطق حرفا .. ثقلت رأسي .. و الغضب بداخلي يشتد و الحنق يتصاعد تجاه الواطي الذي تسبب في هذا كله ..
اتصل محمود ليستفهم عن سكوتي الغامض .. أغمضت عيني و ركزت كل ما أملك من طاقة لأخبره عن مكاني و موقفي .. شتم و توعد و حلف ليأتي بكل من يقابله في الطريق .. هو الأسرع لأنه يملك موتوسيكل ..
أول خيوط الحكاية سأل عنها البواب المعمم .. توجه الي الرجل الأنيق و
"ايه اللي حصل"
"فتح الباب فجأة و نزل .. ملحقتش أفرمل .. ده شارع عمومي"
لا تحاول التبرير يا واطي .. تمنيت لو جهرت بها و شق صوتي العمائر السكنية المحيطة لتخرج من النوافذ الرؤوس لتشهد على ما سيحل على الواطي
ازداد المارة و معهم لغطهم و همساتهم .. أذني صارت تنجرح من أقل صوت .. بدلت ذراعي بساعدي لأن الزلط انغرز فيهم .. قمت مجددا بمحاولة للنهوض .. أخفقت مجددا .. اندفع الشاب المدخن ليعاونني على القيام .. بصقت ناحيته .. فتراجع مستهزئا .. البواب الآن ينثر ما سمعه لأذن بجانبه للتولي الألسن مداولة الحكاية .. سائق الميكروباص اقترب مني و سأل عما يؤلمني .. تمتمت بعبارات غير مفهومة قصدت بها شتمه و الواطي .. شعرت بأنسجة رجلي و كأنها تحترق .. و كون المارة المزدحمين من حولي غمامة ظل أرقد بداخلها .. و أفواههم التي تتنبأ و تخمن تؤلم أذني الشاكية ..
حضر من بعيد رجل آخر أنيق وقف بمحاذاة الواطي .. تبادلا كلمتان قصيرتان ثم هم بمساعدتي على الوقوف .. رميته بنظرة غضبي .. و لساني الذي ارتخي داخل فمي خذلني في شتمه .. رأسي يدور .. و أذناي تصفران و رجلي تدور فيها معركة بالسيوف ..
أزيز الموتوسيكل يعلو شيئا فشيئا .. حتي وصل الي جانبي .. تذكرت أن السيارة بابها مفتوح .. و أن نظري لا يصل اليها .. بداخلها اللاب توب .. هبط محمود و وضع يده على كتفي و سألني أين هو .. أشرت بعيني التي تكافح الاغماض .. هش بيده من حوله حتي مثل أمام الأنيق و استفتح بشخرة عقدت الألسن .. تلا على الأنيقين سيل من الشتائم الممتزجة بالوعيد و الهلاك .. لم ينطقا .. الأنيق الثاني سحب موبايله من جيبه و ابتعد متصلا .. محمود اتصل هو الآخر بكل الآخرين و فمه لا ينقطع عن السباب ..
رجلي استعارت من الجحيم اللهيب و أذني من الرياح صفيرها
تدخل البواب لتهدئة محمود .. شوح بيده مهددا و رماه بألفاظ أسكتته .. خرجت الرؤوس من النوافذ المحيطة .. و ازداد المارة .. و حاول سائق الميكروباص أن يلفت نظر محمود الي رقدتي و اعيائي .. دفعه محمود بقوة و تعامل صباعه الأوسط معه فسكت ..
محمود يهتف في موبايله .. الأنيق الثاني يتكلم في هدوء من موبايله .. المكوجي ينظر للساعة و ينصرف و دراجته .. رجلان يقفان مع البواب يحكي لهما عما حدث .. الفتاة تتابع في هدوء .. الرجل ذو الملابس البراقة يتوجه للأنيق و يتحادثان .. رجلي تشوي على نار غير مرئية .. و أذني تشيع في رأسي صفير لا متناهي ..
وصل الأصدقاء .. لم أتبين على وجه الدقة من جاء و من لم يأت .. و لكنهم وفرة .. عاد الأنيق الثاني الي دائرة الحادث و معه الرجل البراق .. على مسافة قريبة .. سنتر ثانوية عامة فرغ لتوه من درس ما .. فانسل من بابه عدد غفير من الشباب .. حثوا خطاهم الي دائرتنا .. جمع من الصبية و الصبايا .. مد أحد أصدقائي يده داخل سيارتي و جذب عصا الكوريك من أسفل و ركض الي الأنيق الأول .. حبس الكل أنفاسه .. على مبعدة شباب من عمارة سكنية هبطوا لينضموا الي دائرتنا .. رجلي سيطر عليها وهن .. و أذني احتلتها أصوات حادة .. عيني التي تحاول أن تستسلم لمحت العصا تهبط على رأس الأنيق الأول .. تشتت الجمع .. فوضي عارمة .. جري البعض فوقي .. و أنات الألم لا تصل الي حلقي .. البنات صرخن .. الفتاة تبسمت .. البواب ذهب يجلب عصا مقشة .. الرجل البراق هم باللوذ بالكافيه .. سائق الميكروباص يحاول ابعاد صديقي عن مرمي الأنيق .. الأنيق الآخر غرق في ذهوله .. يبدو أن المكوجي لم يبتعد اذ عاد ليقف على مقربة من الرأس الدامية .. شباب الثانوية العامة ألقوا سجائرهم أرضا و فروا عائدين الي السنتر .. كل من ترجل عن سيارته عاد اليها و اهتدي العقل الجمعي الي الرجوع و الانصراف عن الشارع برمته .. أسقط أحد اصدقائي الأنيقين .. نطوا فوقهما .. عملت الأيدي ذات الخواتم و العارية في الوجوه .. الصوات يتطاير من النوافذ .. البواب هوي بعصا المقشة فوق أحد اللاكمين .. باغته صديق آخر من الخلف .. رجلي تتداعي أنسجتها و رأسي باتت خلية نحل ..
بسرعة خلا الشارع الا منا .. و بسرعة أيضا ظهر ميكروباص نزل منه شباب ما ان رأو الأنيقين ممدين تكال اليهم الضربات حتي لمعت أنصالهم متفاوتة الأحجام و امتلأ الأفق بالأحزمة .. سقط قلبي في صدري .. بعض الأصدقاء هربوا بسياراتهم أو هرولة .. الشباب تناولوا أصدقائي و لعبت الأنصال في وجوههم .. استحالت وجوههم خطوط حمراء قانية .. حاولت الكلام .. فتحت فمي .. راق لحمامة طائرة أن تشخ فسقطت شختها داخل فمي .. استنفر حلقي و لم يجد فكاكا من ابتلاع ما دهمها .. حاولت الصراخ .. لم أستطع .. شعرت بطعم مالح مقزز في معدتي .. تقيأت ما في بطني .. صوات نساء اختلط بصياح أصدقائي .. الزلط شقق ساعدي .. لم أعد أشعر برجلي و أذني بداخلها زفة مدوية .. الواطي سيشمت في ..


*


لمن قرأ و لم يستمع للتحذير .. أقول معلش .. حالتي النفسوية كانت مش ولا بد


بس على فكرة .. الحمد لله نجحت


اللهم دمها نعمة و احفظها من الزوال

قالوا



لا أفهم أي معني للموت .. لكن مادام محتما .. فلنفعل شيئا يبرر حياتنا .. فلنترك بصمة على هذه الأرض قبل أن نغادرها


*


بهاء طاهر

Friday, September 26, 2008

عن يوم



بدأ يومي الذي أروم حكيه لغرابته و امتلاءه بأحداث في تقديري متعبة من بعد صلاة المغرب بحوالي ربع ساعة .. الصحيان وخري ليس مشكلة في حد ذاته .. المشكلة لا تقع عندي .. بل تقع على بعد كيلو مترات من بيتي .. العزومة التي دعيت اليها .. العزوووومة .. المشكلة أن هذا الصديق العازم من أعز الأصحاب .. و له من الأعزاء كثر .. و لقد بارك الله في شهيتهم .. أنا أدري استعداد بطونهم .. و أوقن أن آداب الولائم تنقصهم .. متأكد من أن أحد منهم لن يتواني عن الفتك بالشوربة و التربص بصينية المحشي و أن الطيور التي قدر لها أن تنتهي على سفرة الصديق لن تنجو من براثنهم و أشواكهم .. رفعت رأسي فوجدت الدنيا شبه مظلمة .. تبرمت .. و طار فكري الي العزومة .. و عاد مسرعا عندما قرأت على الموبايل عدد ميسداته و وجدته مازال يتصل .. استندهشت .. ألا سحقا للنسيان الذي يلازمني .. الموبايل يهتز فقط .. و الله لو رج السرير رجا لما استيقظت .. انني أغيبب لا أنام .. و ما يفرض على مفارقة عالم الأحلام هو الضوضاء المتواصلة لمدة لا تقل عن ربع ساعة .. رددت على الصديق .. و قبل أي كلام صحت "ماليش دعوة أنا جي" .. صاح بدوره "طب انجز" .. طبعا لأنني شخص حالم ليس لي علاقة بأرض الواقع الا لماما .. ترقبت لرؤية مشهد وصولي لبيته و الأكل لم يمس و حلة الشوربة لم تتسرب من غطاها ذرة بخار واحدة و الكل يفتح ذراعه و يطمئنني أننا كدنا نوقف الساعة من أجلك .. ولكن هيهات .. مبدئيا عندما وصلت الي بيته .. كانت عمارته من أحد هذه العمائر التي يغلق بابها من الداخل و لايفتح الا من الداخل برضه .. أو بالانتركم .. و حالفني الحظ و كان الانتركم بااايظ .. فاتصلت بالصديق (والحمد لله أن الرصيد كان يتحمل) و أمرته أن يرسل لي شاب ابن حلال يفتح لي الباب .. فأغلق الخط و انتظرت .. و انتظرت .. البهوات كانوا يلقوب بالعبء من واحد لآخر .. حتي ترأف أحدهم بحالي و نزل ليفتح لي .. و عندما هممت بمصافحته مد لي معصمه لا كفه .. اللعنة شت .. انهم يلوكون الأطباق اذا .. و صعدنا بالأسانسير و قلبي يهبط .. دخلت وكان ما لا رسمته .. سفرة ممتلئة .. بالأطباق الخااالية .. و الضحايا من العظام و القشور متكومة أمام كل طبق .. و كل كوب يحمل قطرة أو اثنين .. جلست عند السفرة و الباقي كانوا في الصالة في انتظار الشاي لغرض الحبس .. و عيناي تذرع السفرة في حسرة عن أي ورك أو حتة دهن أو فص ليمون أو كوب نسي أحدهم أن يكرعه للنهاية .. و لكن .. حتي أتي الصديق من المطبخ حاملا صينية لازانيا بها ما يكفيني و ورك يكفيني و ما استطاع اقتناصه من محشي الفلفل من أمام الجمع الضاري .. شكرت له و انهلت آكلا على ما أمامي و الحمد لله لحقت الحلو من أوله
*
انتهيت من الافطار و توجهت مع بعض من الأصدقاء الي القهوة (المقهي يعني) لأطلب طلباتي المقدسة و نويت أن أنفض للتراويح لأن وقت العزومة التهم جزء كبير من الوقت .. و نويت أن أتهجد تعويضا .. صلاة الليل هي ما يميز رمضان مصرنا .. فتناولت طلباتي في راحة و هدوء محاطا بأصدقاء أعزاء في موود جيد .. و انقضي الوقت في مرح .. و قررت أن أكلم ابن عمي (يسكن في الدقي و أسكن في المعادي) لنصلي معا التهجد في جامع من اختياره .. و ألفيته مخنوقا جدا .. فألححت عليه حتو وافق على مضض و عشان خاطري و الكلام الحمضان ده .. و توجهت الي سيارتي الأكسنت التي آلت إلي بعد أن استخدمها أبي أول ما جاءت ثم قادتها أختي الكبيرة منذ سفر للمملكة حتي حصلت عليها بعد زواجها .. رجعت للبيت لأتجهز لليلة حامية من العبادة و الدعاء .. و عندما نزلت للسيارة مرة أخري موليا وجهي شطر الدقي تذكرت أن أصدقاء من الكلية كانوا قد ألحوا على بشدة أن ألتقي بهم اذ سيتجمعون في قهوة البورصة بوسط البلد .. و فيهم من لم آراهم منذ فترة (لم نكن كلنا من كلية واحدة .. بعضنا حول .. و آخرين في قسم مختلف في مكان مختلف عن كليتي) فرغبت أن أقابلهم و لو في السرييع .. أحتسي معهم قهواية واحدة و أنصرف .. فكلمت ابن عمي و أخبرته اني سأتأخر ربع ساعة و أن عليه أن يسبقني و أنا حاحصله .. فسخط و هرب منه صبره فنهرني حتي هداته و وعدته أني قادم لا محالة و أني لم ألح عليه لأبيعه في الآخر .. فصدق على مضض المضض و شعرت أني لو كنت أمامه لقذف بموبايله على نضارتي و لو لم تتهشم لقذفه مرة أخري .. ركبت سيارتي و انطلق الي الأوتوستراد .. السلوي أجدها في نجوم اف ام .. كريم الحميدي هذا مذيع جامد فشششخ .. أذاع أغنية "نسيني بيك" لأصالة و أنا أعشق هذه الأغنية ثم ختم برنامجه و ديدنه أن يختم بفيروز فكان أن ختم بـ"هدير البوسطة" .. و اذا تغاضينا عن حبي المنهمر لأغاني فيروز (التي تولاها زياد) فلن نستطيع أن نتغاضي عن حبي للبوسطة .. الطريق كان حلو .. القصر العيني لم يكن مزدحما .. الناس كانوا متعاونين .. أنا لا أفقه شيئا عن مقاهي وسط البلد .. فزنقت معظم المارة .. أسألهم عن وزارة الأوقاف تارة و عن قهوة البورصة تارة .. حتي عثرت عليها و صحبني صديق الي الطاولة التي تجمع حولها الناس .. و دار الحديث و تبادلنا الأخبار وشربت قهوتي في عجالة (و أحب أن أشيد بأن النادل على عكس ما توقعت أحضر لي كوب من المياه الساقعة عقب انتهائي من القهوة مباشرة و هو أمر لم أنتظره بتاتا .. بل قلت له عاوز كوباية مية و النبي و من داخلي أجزم أن الحلاقة هي مصيري) و انصرفت و وجهت سيارتي الي كوبري ستة أكتوبر المجيد و لزمت الحارة الشمال لأني قررت أنه لا فكاك من السرعة العالية اذا أردت ألا يستاء ابن العم و هو عزيز على .. حتي وصلت عند الوصلة المعلقة من الكوبري .. و انتهت السرعة و استراحت دواسة البنزية من قدمي الضاغطة كالمحموم .. الكوبري واقف و على مد البصر نقط حمراء كثييييرة .. اذا انها لن تفرج في القريب العاجل .. فلنصير قليلا .. و صبرت .. كتيير .. و السيارات تتحرك سنتيمترا و تعود للسكون .. و في رأسي يدور مشهد ابن عمي و هو يستمع الي و أنا أحكي له هذا الموقف و أراه يضحك و يجلجل معلقا ايه النحس ده .. يبدو أن حادث عطل سيعطل السير لوقت كثير .. و لكن مهلا .. هناك "بووووم" صوت مدوي لانفجارة صغننة .. و لكن مهلا مهلا .. انها من سيارتي .. غريب .. لم أشعر بخبطة من الخلف و لا من الجنب .. و بيني و بين السيارة التي أمامي مسافة طيبة .. و لكن تلاتة مهلا .. هناك طبقة من البخار الكثيف زحفت من خلف السيارة و حامت حول السيارة و تمركزت في أفقي قليلا ثم انقشعت مخلفة زجاج يشكو السخونة .. سـ أ تـ فـ جـ ر .. السيارة سوف تنفجر و أصير شتات .. على فكرة ماخفتش .. أنا بس تنحت في بلادة .. و فتحت الباب مسرعا و نزلت لأن لا فرار من أن هذه الجلبة أنا سببها .. أحطت السيارة بنظري .. هناك سائل اندلق على الأرض و اتخذ لون بني و رائحة الأسفلت الساخنة .. الحق أني ارتعت .. سحقا تبا .. من الذي سيرزح تحت لوم الأب و زعيقه و استراتيجيات الحرمان .. السيارات العابرة من جانبي لأنها تسير ببطء أساسا تبرع كل منهم بتحليل للموقف .. و أعجبني من قال أن الفريون فرقع .. لأن هذه أهون مثلا من تحطم الموتور عن طريق انفجار زيته .. و تطوع كام واحد بمنتهي الصدق و عرضوا على المساعدة .. و لكني أبيت .. لا لأني على ما يرام .. و لكن لأني لا أدري حقا ما حدث .. و لا أعلم ما انفجر لأشرع في معاينته و تصليحه .. فركبتني اللهوجة .. و أنا أساسا من النوع الذي يتشتت من الزحام .. فـ :) .. مكثت دقائق أحدق في السائل الذي عجزت عن الانحناء و شمه أو لمسه للتعرف عن طريق لزوجته ما هو .. حتي هداني الهادي الي الاتصال بصديق عزيز صاحب سيارة 128 (غني عن الايضاح أن أي مالك لسيارة 128 = محترف في صيانة السيارات) فسردت له الوقائع كاملة .. و اتبعت معه (ربنا يخليلي فودافون) عبر أمواج الموبايل ما جعلنا نستنتج أنه حقا تسرب للفريون تحت ضغط ناتج من السخونة الغامضة .. الحادث الذي عطل السير يبدو أنه ضخم و مروع .. اذ وجدت أن السيارات التي كانت بجانبي مرت في تباطئها و لكن لم أري أي سيارة تقبل من الخلف .. كأنهم منعوا الناس عن الطريق .. فصرت أنا وحدي على كوبري 6 أكتوبر .. والله وحدي .. فأتيحت لي الفرصة اذا أن أهدأ و أتروي .. تأكدت من أن مؤشر الحرارة نائم على الجنب المريح و أن مؤشر البنزين ثابت و لا يشي بأي تسرب .. رمقت ساعتي .. و حدست أني لن ألحق بالمسجد الذي اقترحه على ابن عمي خاصة اني أتوه لفترة وجيزة قبل أن أبلغ مكان لم أعرج عليه من قبل .. فقررت أن أصلي على الكوبري .. أيون على أسفلت الكوبري .. بالتحديد على فرشة من السيارة فوق أسفلت الكوبري .. ألا ان صلاة الليل ليس بضروري أن تكون في جامع بمئذنة و جماعة و امام يرتل .. و كنت لحسن الحظ متوضأ .. فركعت اثنتان و سلمت و قمت لأمضي .. و الكوبري مازال فارغ و المؤشرات مطمئنة .. مشيت السيارة قليلا و عبرت الحادث .. وقد كان بالفعل مؤسف .. سيارة ربعها الأمامي غائب و سيارة اسعاف تتعاطي مع المصاب .. حتي رأيت سيارة فولكس .. فتوقفت لأساعد و لأرد الجميل لايجيبت .. و تبينت أن أزمتهم سببها نفاد البنزين لديهم فعرضت عليهم أن يركب أحدهم - كانوا ثلاثة - معي و أنزله ليحضر بنزين و ليعود هو في تاكسي .. فوافقوا .. و دورت العربية يا معلم .. و اذا بمؤشر الحرارة يلمس الطرف الأخير الذي يخطر بأن السيارة كالقدر الذي يغلي .. فاعتذرت للشاب و تفهم و نزل .. و أصبحنا سيارتين وحيدتين على كوبري أكتوبر يقفون بجوار حادث أليم .. بيد أن مشكلتي كانت ميسورة نسبيا .. أنا معي زجاجتين ماء صغيرتين أحتفظ بهم في شنطة العربية (عيييييييب عليييييك) و بهدوئي الذي استعدته و مكالمة لصديقي المحترف اتفقنا على أن الرادياتير انخرم منفجرا مسربا كل الماء المسئول عن تبريد السيارة .. وأنني على الانتظار حتي تعود الحرارة الي الطبيعي ثم أملأ الرادياتير ماء و اتكل على الله أروح .. فانتظرت .. و في هذه الأثناء وقفت عربة الونش لتعزم على بأي خدمة ثم سيارة الاسعاف تحلف بالله مش عايز حاجة و أنا أشعر بالخزي كلما كررت أن الموضوع بسيط .. سخنت و مستنيها تبرد .. و جاءت سيارة حكومة تحمل رتبة ما و توقف أمامنا بعد لحظات و قال بكل العطف ايه اللي حصل .. فهمت أنه يظنني أنني الحادث المروع .. قلت له لا أنا مش الحادثة .. و يبدو أنا الناس اتصلوا بأكثر من جهة و أكثر من قسم .. المهم .. نزل شاب الفولكس معهم ليحضر بنزينا و أنا طمأنته و العار يملأني أن العربية سخنت و مستنيها تبرد ..
قلت بقه أكلم ابن عمي .. و تصورته مقهقها من الأحداث العجيبة متندرا بالمواقف التي أقع فيها و أفشل في علاجها .. فأخرجت الموبايل و طلبته و لم يرد .. طلبت شخص آخر يعرفه و يعرفني و يصلي مع ابن عمي .. حكيت له مختصرا و قال أن الصلاة خلصت .. و اعتذرت و انتهي الموضوع .. فوجئت بابن عمي يطلبني على موبايلي و هو متنرفز و دار حوار بيننا على شفا الخناق .. لامني على تغيير يومه من أجلي و عدم ظهوري .. لمته على فهمه الذي لم أقتنع به .. حتي أنهينا اللوم و استفسر عن مكاني و أغلق الخط وهو يقول أنا حجيبلك السحور و جي .. حاولت أن أثنيه .. التوتر بيننا مرتفع و اذا جاء و فتحت السيرة لن نهدأ و ستكون مشاجرة سخيفة العواقب .. و لكنه صمم .. و جاء بالفعل .. و قدم لي سندويتشين من جاد و زجاجة مياه و أعاد سؤاله على مطمئنا .. و اعتذرت له مجددا .. احنا في العشرة الأواخر برضه .. و الحمد لله هدأ هو الآخر .. لم تصفي الأنفس بالكامل ولكن على الأقل امتنع كلانا عن التمادي في الخناق .. هو وجعني لعدم تفهمه و اتهامي .. و أنا على ما يبدو وجعته لأنه كان يخطط لطرق أخري لقضاء ليله و قد بدله خصيصا من أجلي ثم لم أحضر .. ابتلاءات يا عزيزي .. ابتلاءات في العشر الأواخر خير
*
الرادياتير بالفعل انخرم .. أي انني سأقود لمسافة بسيطة .. ستسخن .. سأقف .. سأملأ .. سأركب .. سأقود لمسافة بسيطة .. ستسخن .. الخ و الخ و كمان الخ .. اذا أمامي رحلة جديدة .. و الفجر يؤذن .. سرت بالسيارة في الأوتوستراد .. و قفت عند جامع بجوار الامام الشافعي .. ملأت سبع زجاجات من ماء الميضة (الميه الساقعة مضرة) و وضعتهم في السيارة كمخزون للمسافة المتبقية .. أقام المؤذن .. توضأت (بعد أن أفرغت مثانتي من بول ساخن في راحة) و صليت .. انصرفت عائدا الي أرض المعادي العظيمة .. طلبت السلوي من الاف الام .. و السلوي وجدت .. "خليها على الله " أصالة .. "بيذكر بالخريف" فيروز
*
اللهم انك عفو تحب العفو
فاعف عنا